مسيرة الإعلام

مسيرة الإعلام
 
الإعلام هو إحدى وسائل الاتصال التي يمكننا أن نقول إنها بدأت مع بداية البشرية ، وكان أول حوار أو تبادل للمعلومات بين أول بشر سكنوا الأرض إعلاماً.
وتطور الإعلام عبر الزمان والعصور من كونه وسيلة اتصالية تعتمد على تبادل المعلومات ونقل الأخبار إلى معترك مهم ومؤثر قوي على حياة الشعوب والأمم.
ولو عدنا إلى الحضارات الإنسانية القديمة وما وصل إلينا من مخلفاتها سنجد أنهم استخدموا الإعلام في علاقاتهم وفي تسيير شؤونهم وفي توثيق مناحي حياتهم ، وهذا ما نجده جلياً في الحضارة الفرعونية على سبيل المثال التي خلفت إرثاً مليئاً بالمعلومات مازال العلم الحديث على الرغم من قفزاته الهائلة حائراً أمام فك بعض رموزها وطلاسمها.
وقد قاس بعض العلماء والباحثين تطور حياة بني البشر من خلال تطور وسائل وأدوات الإعلام ومن خلال التفسير الذي ينظر إلى التطور الاجتماعي للبشرية على ضوء تطور وسائل وأدوات الإعلام من خلال التفسير الإعلامي للتاريخ ، وهو التفسير الذي ينظر إلى التطور الاجتماعي للبشرية على ضوء تطور وسائل الإعلام بمعنى أن تطور وسائل الإعلام هو العامل الرئيسي في إحداث التطور الاجتماعي للبشرية ، وأنه كما يوجد التفسير المادي والتفسير السيكولوجي للتاريخ فهناك أيضاً التفسير الإعلامي للتاريخ ، وهو التفسير الذي يقسم التطور الاجتماعي تبعاً لمراحل تطور الإعلام ، فهناك المرحلة السمعية في التاريخ (النفخ في الأبواق والمنادين) ثم المرحلة الخطية (النقش والرسم على جدران المقابر والمعابد والقصور والكتابة المنسوخة على الجلود أو الورق) ثم المرحلة الطباعية (الصحف) وأخيراً المرحلة الالكترونية (الراديو والتلفزيون والفيديو واستخدامات الكمبيوتر والأقمار الاصطناعية في الإعلام).
ونستطيع القول إنه منذ بدأ أول حوار بشري بين شخصين أو طرفين وهما آدم وحواء تكونت أول عملية إعلامية واتصالية بين طرفين تم خلالها إما نقل أفكار من طرف إلى طرف آخر أو تبادل معلومات ، وبذلك يمكننا أن نقول بما لا يدع مجالاً للشك أو الريبة إن الإعلام هو أول علم تم استخدامه بين بني البشر وهو بذلك يصبح أباً للعلوم.
وتطور الإعلام .. وتطورت وسائله وأساليبه وأدواته وأصبح واقعاً لا يمكن لبني البشر أن يتخلوا عنه .. بل وأصبح الإعلام هو المحرك الأساسي للرأي العام والمرآة العاكسة للأحداث.
وكانت وسائل الإعلام المكتوبة ولاسيما الصحافة إلى عهد قريب هي المسيطر الأساسي على اهتمام الجماهير.
ولقد كانت الصحافة في غرب أوروبا في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر صحافة خبرية تقتصر على نشر الأخبار من دون التعليق عليها أو تحليلها.
ويمكننا رصد بداية ظهور الصحافة في عام 1597 حين أصدر صموئيل ديلهرم في أوفسبورج مجلة شهرية ، وفي أنفير نشر أبراهام فرهوف في عام 1605 مجلة (ليه نوفل واتفير) نصف الشهرية ، وفي عام 1609 صدرت مجلتان أسبوعيتان الأولى في ستراسبورج والثانية في أوغسبورج ، وبعد ذلك ظهرت الصحف في بال عام 1610 وفي فراكفورت وفيينا عام 1615 وفي هامبورج 1616 وبرلين عام 1617 وبراغ عام 1619 وأمستردام في عام 1620 وفي لندن أصدر توماس أرشر أول صحيفة عام 1622 وفي فرنسا ظهرت أول مجلة أسبوعية في باريس عام 1631 بواسطة لويس فندوم وفي العام نفسه أصدر تيوفراست روتودو صحيفة (الجازيت).
أما في ايطاليا فقد ظهرت أولى الصحف الدورية في فلورنسا عام 1636 ثم في روما عام 1640.
ومع تحول المجتمعات في غرب أوروبا من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي وظهور الطبقة البرجوازية والتي بدأت تاريخياً (مالية/تجارية) ثم تحولت بعد ذلك إلى برجوازية صناعية مع ظهور فجر القرن التاسع عشر ، تحولت كذلك ماهية الصحف وأغراضها.
وقد لبت الصحف الخبرية حاجات الطبقة البرجوازية النامية إلى أخبار التجارة والمال وتغيرات السوق ، ولقد ساعد إنشاء الخدمات البريدية على سرعة وصول الصحف إلى المشتركين ، وكذلك سرعة وصول الأخبار من مختلف الأماكن إلى البلد الذي تصدر فيه الصحيفة ، والأمر متشابه كذلك في الوطن العربي وفي صحيفة (الوقائع المصرية) التي أصدرها محمد علي حاكم مصر عام 1828 وكانت منذ بدايتها ولفترة طويلة بعد ذلك صحيفة خبرية تكتفي بنشر أخبار الدولة وأوامرها وتعليماتها لكبار الموظفين وللجمهور وذلك لخدمة طموح محمد علي في بناء دولة حديثة.
ولكن .. سرعان ما تغيرت وظائف الصحافة وتحولت من صحافة خبرية الى صحافة رأي وتحليل وتعليق.
ويمكننا أن نعتبر قيام الثورة الفرنسية بداية التاريخ الحقيقي لصحافة الرأي ، وما أن قامت الثورة الفرنسية التي تعد تاريخياً "أم الثورات" حتى تغير الحال ، واحتلت الصحافة مكانة مرموقة وسط المجتمع ولعبت دوراً بارزاً في حياة الفرنسيين ، فقد آمن قادة الثورة بضرورة إيجاد وسيلة اتصال عصرية تربط بينهم وبين الشعوب من خلال تبادل الآراء وقياس رضا الشعب عن أداء الحكومة ، فوجدوا أن أفضل طريقة هي استغلال الصحافة التي كانت إلى وقت الثورة صحافة خبرية ، فسعت الثورة الفرنسية إلى تطويرها وإدخال عنصر الأهمية والجاذبية من خلال إفساح المجال للكتاب والمفكرين والفلاسفة الذين طالما تزهو بهم فرنسا في ذلك العصر لإبداء آرائهم وتحليلاتهم ، مع منحهم حريات كاملة للتعبير ، وأعلنت الثورة ثم طبقت وان كان لفترة وجيزة ــ مبادئ حرية الصحافة ، وبذلك انتقلت الصحافة من صحافة رأي وتحليل وتثقيف.
ولعل أكبر دليل على تعاظم وظيفة الصحافة كأداة للتوعية والتثقيف والتأثير في الرأي العام قول الزعيم الفرنسي نابليون بونابرت وهو يتحدث عن قيمة صحيفة (له مونيتور) التي كانت لسان حاله لقد فعلت من مونيتور قلب حكومتي وقوتها وكذلك وسيطي لدى الرأي العام في الداخل والخارج معاً .. (كانت الصحيفة كلمة الأم لأنصار الحكومة) لقد لعبت الصحافة بتاريخها كذلك أدواراً مهمة حيوية في كشف الكثير من القضايا الجوهرية الأساسية والتي غيرت الكثير من أحداث التاريخ ، وكانت بالمرصاد في محاربة الخارجين على القانون والفاسدين وكشف زيف المبدعين.
لقد نجحت بعض الصحف في عزل كبار المسؤولين من مناصبهم ، وفي أن ترسل العديد من السياسيين وكبار رجال ألأعمال المنحرفين إلى السجون.
ومع مطلع القرن العشرين .. وقيام الثورة الصناعية ، كان الإعلام أكبر المستفيدين منها ، حيث تفتق ذهن العلماء وأرشدهم تفكيرهم إلى الحاجة لإيجاد وسائل إعلامية أكثر سرعة من الوسائل الإعلامية التقليدية المتوفرة لديهم.
وبدأ عصر التكنولوجيا الإعلامية التي أحدثت نقلة واسعة وسريعة في مفهوم وأهمية الإعلام ، وغيرت في نمط أدواته ، حتى صار الإعلام اليوم جزءاً مهماً من نشاطنا وحياتنا اليومية ، وصار المواطنون أكثر ارتباطا بوسائل الإعلام التي صارت تتفنن في نقل الأخبار والمعلومات ومتابعتها.
ولم يقف العقل البشري عند ما وصل إليه .. وكانت الحاجة أسرع من القبول فيما توصل العلم إليه ، وأدى حماس البشر في اقتحام المجهول إلى اختراع الراديو الذي كان ومازال وسيلة مهمة من وسائل الإعلام والاتصال .. وانتشرت في أصقاع العالم الإذاعات التي سارعت الدول إلى إنشائها بعد أن تيقنت أهميتها خاصة بعد الدور الكبير الذي لعبته في الحرب العالمية الأولى والثانية وبالأخص الإذاعات الموجهة ، وأصبح الراديو منافساً كبيراً للصحافة لكنه لم يقض على وجودها بل زاد من أهميتها.
وفي منتصف القرن الماضي كانت الثورة الصناعية في أوج قمتها ، وقد أثمرت أخطر اختراع في وقتها وهو التلفزيون والذي أدى بشكل مباشر إلى تغيير الكثير من المفاهيم والأسس الاجتماعية في حياتنا أكثر من وسائل الإعلام المختلفة .. وظل العالم مبهورا بهذه الشاشة الصغيرة المرئية .. ولا يزال .. وتطور التليفزيون وتعددت أغراضه ووسائله ، ومع ثورة الأقمار الاصطناعية انتقلت فكرة التلفزيون من مجرد شاشة محلية إلى محطات وقنوات فضائية يتابعها ملايين البشر وتنقل الأخبار والأحداث أولاً بأول للملتقى من موقع الحدث.
ولم تقف تكنولوجيا الإعلام عند هذا الحد ، بل تخطته بمراحل كثيرة .. وكان الإعلام دائماً من أكثر المستفيدين من تطور عقل بني البشر … ومع ظهور الانترنت أصبح الإعلام بلا منازع أهم وأخطر صناعة تسعى دول العالم جميعها لامتلاكها.
وعلى الرغم من الاختلاف الكبير الذي انقسم إليه الجمهور حول مصداقية وسائل الإعلام .. يبقى الإعلام أهم وسيلة يتعامل معها البشر ولا يستطيعون الخلاص من تأثيرها.