د. عزام الدخيّل: واكبوا التطور أو إنقرضوا يرحمك الله

/Content/Files/AMFNewsImage/azam alde5el 6545646541HQJHRAUKNBDGNCJZLXDEKTUW.jpg

كلمة سعادة الدكتور/ عزام بن محمد الدخيّل

الرئيس التنفيذي للمجموعة السعودية للأبحاث والتسويق

 

"تحديات الإعلام في الأزمة العالمية"

 

 انكماش الإنفاق الإعلاني:

من البديهي أن تؤثر الأزمة الاقتصادية العالمية في سوق صناعة الإعلام والإعلان. فقد انكمشت على ما يعرف العاملون في قطاعات التسويق والإعلان الميزانية التسويقية لكثير من الشركات الكبرى حول العالم، وفي المنطقة، خصوصاً القطاعات التي لحقها أكبر الضرر من الأزمة كالقطاعات العقارية، والمصرفية، وغيرها. وأسهم انكماش القدرة الشرائية لدى شرائح كثيرة من الناس في تقليص الميزانيات التسويقية لسلع التجزئة أيضاً.

 

الأزمة المالية ليست السبب الرئيس:

من الضروري أن نستحضر إلى الأذهان أن الأزمة العالمية قد أسهمت في تعميق أزمة وسائل الإعلام لا أنها كانت سبباً رئيساً في ذلك. ومن الضروري، أيضاً، أن نتذكر أن ثمة أزمة كانت تعانيها الوسائل الإعلامية، وذلك من قبل أن تطل الأزمة المالية العالمية برأسها. ثمة أسباب كثيرة أسهمت، كما يعرف المراقبون والمتابعون لصناعة الإعلام، في المشكلات التي تعانيها بعض كبريات وسائل الإعلام العالمية، والأمريكية منها خاصة مثل: صحيفة نيويورك تايمز، ولوس أنجلوس تايمز، وواشنطن بوست، وشيكاغو تربيون التي هبط توزيعها بنسب متفاوتة في السنوات الأخيرة عما كانت عليه الحال من قبل.

 

التنافس الإلكتروني:

إذا ما أخذنا الصحافة الأمريكية في الحسبان، فإن دخلها الإعلاني أخذ في الهبوط منذ سنة 2007، بعد أن اقترب دخلها في السنتين السابقتين، 2005 و2006، إلى ذروته التي تشابه ما بدأت به هذا العقد في سنة 2000، حيث اقترب حجم الإنفاق الإعلاني في الصحف من 50 مليار دولار، وهبط في سنة 2008 إلى ما يقترب من 35 مليار دولار.

 

قبل القفز إلى نتائج قد تبدو مبسطة يجدر بنا، أيضاً، أن نقرأ أبعاد الصورة بدقة، ولنتدبر التقرير الذي خرجت به برايس ووترهاوس كوبرز Price Water House Coopers، ومكتب الإعلان التفاعلي Interactive Advertising Bureau (IAB)، عن حجم الإعلان على الإنترنت، والذي زاد على 23 مليار دولار في أمريكا في سنة 2008، في نمو لم تؤثر فيه الأزمة المالية العالمية كثيراً، وإن لحقه بعض التباطؤ. في هذا السياق اسمحوا لي أن أشير هنا إلى أن الإيرادات الإعلانية الإلكترونية نمت في مجموعتنا بما معدله 600% في سنة 2008. وعلى ما يشهده العالم من أزمة مالية فإن معدل نمو الإنفاق الإعلاني الإلكتروني يتنامى في معظم دول العالم، ومن اللافت أن يبلغ هذا المعدل في دول أوروبا الوسطى والشرقية ما نسبته 195% حسبما كشفت عنه Zenith Optimedia.

 

نمو معدلات القراءة:

علام تدلنا أرقام الإنفاق الإعلاني المذكورة فيما تقدم؟

 

طبعاً المقارنة المستعجلة بين الوسائل الورقية والإلكترونية ستكشف عن تنامي حجم الإنفاق الإعلاني الإلكتروني، وهبوط حجم الإنفاق الإعلاني في الوسائل الورقية. ولكن القراءة غير المستعجلة ستكشف عن تنامي معدلات القراءة عموماً، وطلب المحتوى بأنواعه المختلفة، ورقية كانت، أم إلكترونية، أم غير ذلك.

 

المحتوى المتكامل:

ثمة قارئ جديد أكثر وعياً وثقافةً، وأقدر على تحصيل المحتوى من مصادر المحتوى المختلفة. وهو قادر على التفاعل مع المحتوى الذي يطلبه ومصادره المتنوعة بطريقة ذكية. بل إن هذا القارئ قادر على توليد المحتوى، والإسهام في تطويره على نحو لم يكن مألوفاً، من قبل (User Generated Content). ولعلنا هنا نشير إلى أن ثمة مبادرات صغيرة في صناعة المحتوى الإلكتروني وتطويره حققت نتائج بارزة، ولم تقتصر مثل هذه النجاحات على الكيانات الإعلامية الكبرى القادرة على التوسع في الاستثمار.

 

إن العوامل التقنية، والديموغرافية، والمعرفية، وانفتاح القراء على عالم تزدحم به مصادر المعلومات والمعرفة يحتم أن تتنوع مصادر المحتوى وتتكامل، سواء أكان هذا المحتوى مقروءاً أم إلكترونياً، أم جوالاً، أم مرئياً، أم مسموعاً.

 

المحتوى المتخصص:

إن جميع التطورات المذكورة أعلاه دفعت في اتجاه توليد محتوى أكثر تخصصاً، وأكثر تحديداً لجمهوره القارئ والمعلن. فبينما تزدحم أوعية المحتوى العام وتتنافس فيما بينها، غدا المحتوى الذي يلبي احتياجات قارئه المعرفية المتخصصة هو الأكثر طلباً من القارئ الجديد والمعلن الذي يريد أن يستهدف جمهوره المحدد.

 

تأملات في علاج الحالة الإعلامية:

§       ربما كان من الضروري الالتفات ابتداءً إلى المؤشرات التالية في تطوير أوعية المحتوى الإعلامية الحديثة:

·     تطور تقنية المعلومات والاتصالات.

·     البعد الديمغرافي من حيث غلبة عدد الشباب على إجمالي عدد السكان.

·     تطور التعليم، وتطور قدرة الجيل الجديد على الوصول إلى مصادر متنوعة للمحتوى المجاني، وقدرته على توليد محتوى يتصل بدائرة شبكته الاجتماعية أو الثقافية الإلكترونية.

·     ضيق حاجة القراء إلى المساحة الإخبارية في الوسائل الإعلامية التقليدية.

 

§       تلك المؤشرات ستُعين على بناء تصور لما ينبغي أن تأخذ به الوسائل الإعلامية التقليدية، حتى تحافظ على دائرة قرائها، ومن ذلك:

·     تنويع أوعية المحتوى الورقي والإلكتروني والجوال والتلفازي على نحو متكامل.

·     تطوير نوع المحتوى الذي يلبي المتطلبات المعرفية والثقافية للقراء الجدد الذين يشكلون غالبية السكان.

·     تطوير الأذرعة البيعية الإلكترونية، من حيث استقطاب عدد كبير من المتصفحين لأوعية المحتوى الإلكترونية، وتوسيع دائرة استقطاب المساحات الإعلانية الإلكترونية.

·     الاستفادة من المكاتب الخارجية في الدول التي تكثر فيها الكفاءات التحريرية أو التصميمية أو التقنية والعاملون في الترجمة وغير ذلك. سيعين ذلك كله لا ريب على تطوير الصناعة ومحاصرة التكاليف من غير أن تنقل هذه الكفاءات من بلادها إلى حيث يصنع المحتوى بأوعيته المختلفة.

·     ائتلاف الشركات الإعلامية الصغيرة بما يعزز من اجتماع عناصر قوتها وتنوعها. وهذا أولى من أن تذهب بها حالة السوق المتردية التي لا تجد الكيانات الكبرى نفسها تسلم من تبعاتها في قليل أو كثير.

 

تجربة المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق:

استشرفت المجموعة التطورات التي يشهدها قطاع صناعة المحتوى عالمياً، ولكونها ناشراً، وطابعاً، وموزعاً، وغير ذلك، فقد تطورت رؤاها الاستثمارية في الاتجاهات التالية:

 

·     نمت معدلات الطباعة لأطراف أخرى غير الشركتين الناشرتين في المجموعة. وزادت الطباعة للأطراف الأخرى على 50%، وبما يشكل 25% تقريباً من إجمالي إيرادات المجموعة.

·     الخروج عن الإطار التقليدي لصناعة النشر، من حيث تطوير المشروعات الإعلامية الذكية Smart Media Projects، وتمثل ذلك في تطوير أوعية المحتوى الإلكتروني، والجوال والمرئي، إضافة إلى أوعية المحتوى الورقي. ويأتي ذلك في صورة تتكامل فيها جميع الأوعية.

·     تطوير نوع المحتوى الذي يستهدف قارئاً جديداً متخصصاً يتطلع إلى محتوى متخصص يلبي متطلباته المعرفية والثقافية.

·     تطوير مبادرات صناعة المحتوى المحلي الذي يلبي احتياجات القارئ المحلي. وهذا تطور في صناعة الإعلام يتنامى يوماً بعد يوم عالمياً، وورقياً، وإلكترونياً، وتلفازياً.

·     تطوير الاستثمار في المحتوى التعليمي والأكاديمي على صعيد التعليم المدرسي والجامعي وتعليم اللغة الإنجليزية (الاستحواذ على مجموعة مكتبة الجامعة).

·     تطوير الاستثمار في المواهب والكفاءات تعليماً وتدريباً تطبيقياً. ولقد كانت تجربة معهد الأمير أحمد بن سلمان في هذا الأمر تجربة متميزة.

·     إعادة هيكلة المجموعة أخذاً بمتطلبات الحوكمة من حيث كونها شركة مساهمة عامة. فتم الفصل بين الملكية والإدارة حفظاً لحقوق عموم المساهمين على ما هو مستقر في التجارب الرائدة في العالم،وما يقتضيه ذلك من إفصاح وشفافية. وتبع فصل الملكية عن الإدارة فصل التحرير عن الإدارة وذلك بإنشاء مجلس أمناء للمجموعة ينظر في أمر التحرير والعاملين فيه بمعزل عن الإدارة. وهذا ما يعطي استقلالية في الإبداع.
 

تعليقات القراء ضع تعليقك